العلاقات السياسية

عقب قيام ثورة 1911، وقيام جمهورية الصين، أقامت علاقات دبلوماسية رسمية مع بعض من الدول، وبعد أن منحت بريطانيا مصر استقلالا شكليا، أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين المملكة المصرية وجمهورية الصين، وكانت مصر هي الدولة العربية الوحيدة التي لها علاقات مع جمهورية الصين. تجلت علاقات الصداقة والتعاون بين الشعبين المصري والصيني عندما تعرضت الصين للغزو الياباني حيث جسد موقف مصر من العدوان الياباني على الصين عمق الصداقة المصرية الصينية. وفي الأول من ديسمبر عام 1943، صدر من العاصمة المصرية إعلان القاهرة، وهي شهادة دولية بأن تايوان جزء من أراضي الصين، بطلان الاحتلال الياباني لتايوان ومطالبة اليابان بإعادة تايوان إلى الصين بعد الحرب.

وقد مرت العلاقة المصرية الصينية خلال الخمسين سنة الأخيرة بثلاث مراحل:

المرحلة الأولي (1954 ـ 1970):
في عهد جمال عبد الناصر وشو ان لاي.. فعقب ثورة يوليو عام 1952 وأعلن أهدافها التي كانت تكاد تتفق مع أهداف الثورة الصينية، وتبع ذلك جلاء الاحتلال الإنجليزي وإعلان قيام جمهورية مصر العربية في الثامن عشر من يونيو عام 1953، قررت الحكومة المصرية الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية. كما كانت مصر من أوائل الدول التي أيدت بحماس حق الصين في استعادة مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة وعبرت قيادة الثورة المصرية عن دهشتها لموقف الولايات المتحدة المتجاهل لجمهورية الصين الشعبية. وعلى الرغم من الاعتراف المصري بالصين، والزيارات المتبادلة بين بعض المسئولين في البلدين، إلا أنه لم تكون هناك علاقات دبلوماسية بينهما. و في أغسطس عام 1955قام وزير الصناعة والتجارة المصري محمد أبو نصير بزيارة للصين ووقع الجانبان على اتفاق تجاري يقيم بمقتضاه كل طرف مكتباً تجارياً له لدى الطرف الآخر.

وبعد أن تهيأت الظروف تماماً لإقامة العلاقات بشكل رسمي بين البلدين أصدرت الحكومتان المصرية والصينية في الثلاثين من مايو عام 1956 بياناً مشتركاً حول إقامة العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء بين البلدين، وهو ما مثّل انعطافاً هاماً في خريطة العلاقات الدولية، بالنظر إلى مكانة مصر عربيا وأفريقياً وإسلامياً، وفتح الباب أمام الصين لإقامة علاقات رسمية مع الدول العربية والأفريقية. وعقب قرار الرئيس عبدالناصر في 26 من يوليو عام 1956 بتأميم شركة قناة السويس وجعلها شركة مساهمة مصرية، بادرت الصين بتأييد هذه القرار في 4 أغسطس عام 1956، حيث أوضح رئيس مجلس الدولة الصيني شو إن لاي أن الصين تدعم دعماً تاماً تأميم مصر لشركة قناة السويس، ثم أصدرت الحكومة الصينية في الخامس عشر من أغسطس بياناً حول قضية قناة السويس أكدت فيه على دعم الصين، حكومة وشعباً، للخطوة التي اتخذتها الحكومة المصرية من أجل حماية سيادة الدولة واستقلالها. وفي شهر سبتمبر جددت الصين تأكيد موقفها بالنسبة لتأميم القناة في مذكرة جديدة سلمتها للحكومة المصرية، وأضافت رفضها واستنكارها لمحاولات بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة شن حرب ضد مصر لإجبارها على الرجوع عن هذه الخطة والسيطرة بالقوة على القناة.

في الأول من نوفمبر 1956، أصدرت الحكومة الصينية بياناً أدانت فيه العدوان الثلاثي ـ بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل ـ إدانة شديدة ، ووصفته بأنه وحشي همجي، وأكدت على موقفها الثابت الداعم للنضال العادل الذي يخوضه الشعب المصري من أجل حماية سيادة الدولة والاستقلال الوطني. وقد تجلى موقف الشعب الصيني المؤيد لمصر والداعم لنضالها عندما خرجت واحدة من أكبر المظاهرات التي شهدتها الصين في تاريخها الحديث، تأييداً لمصر وتنديداً بالعدوان، حيث قام نحو 500 ألف من المواطنين الصينيين في بكين ونحو مائة مليون من الجماهير في أنحاء الصين بمظاهرات واسعة النطاق لمدة ثلاثة أيام ينددون بالاعتداء البريطاني الفرنسي الإسرائيلي ويدعمون النضال العادل للشعب المصري.

وقد توالت الزيارات المتبادلة بين قادة ومسئولي الدولتين بصفة مستمرة، غير أن تطور الأحداث خلال عامي 1966 و1967، أدت إلى ضعف مستوى التبادل بين البلدين، ففي الصين بدأت عام 1966 الثورة الثقافية، وفي مصر تعرضت البلاد لعدوان الخامس من يونيه 1967، حيث شنت إسرائيل عدوانها على مصر وغيرها من الدول العربية. وفي تلك الأثناء التي كان تحرير مصر لأراضيها يحتل قمة أولوياتها لم تشهد الفترة من عام 1965 حتى عام 1970، أية زيارة على مستوى عال بين البلدين، كما انخفض معدل تبادلاتهما التجارية بشكل كبير. ولكن الصين، وبرغم ظروفها الداخلية، أعلنت عن تأييدها التام لكل المواقف التي اتخذتها مصر خلال هذا العدوان، وأعربت عن تأييد وتضامن الشعب الصيني مع مصر والتنديد بالعدوان عليها. وأصدرت الحكومة الصينية بياناً لشرح هذا الموقف، في ذات الوقت تظاهر نحو مليون فرد في بكين لمدة ثلاثة أيام دعماً لنضال مصر والدول العربية.

المرحلة الثانية (1970 ـ 1981):
في عهد الرئيس أنور السادات.. كان النصف الأول من عقد السبعينات من القرن الماضي مرحلة خاصة في تاريخ كل من مصر والصين.

فقد كان جزء من أرض مصر تحت الاحتلال الإسرائيلي وكانت كافة الجهود والإمكانات موجهة لتحرير تراب الوطن، وفي الصين كانت الثورة الثقافية التي بدأت عام 1966 لا تزال مستمرة بكل الفوضى التي أحدثتها في كافة مجالات الحياة، السياسية والاقتصادية والثقافية. وقد سحبت الصين في هذه الفترة كل سفرائها في المنطقة للمشاركة في حركة الثورة الثقافية، باستثناء سفيرها لدى مصر، وكان ذلك إشارة بالغة الوضوح للمكانة التي تحتلها مصر في السياسة الخارجية الصينية. وقد تجسدت هذه المكانة المتميزة لمصر، من خلال الموقف الصيني من حرب أكتوبر 1973، التي سارعت فيه بإعلان تأييدها التام للجهود المصرية لاستعادة أراضيها المحتلة.

وفي النصف الثاني من السبعينات كرست مصر جهودها لإعادة البناء والتعمير وتعزيز القدرات الاقتصادية، منذ انتهاجها عام 1974 سياسة الانفتاح الاقتصادي وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر. وفي نفس الفترة كانت الثورة الثقافية في الصين قد وضعت أوزارها. وفي عام 1978، عقدت الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الحادية عشرة للحزب الشيوعي الصيني وطرح الزعيم الصيني الراحل دنغ شياو بينغ نظرية بناء مجتمع اشتراكي ذي خصائص صينية وانتهاج سياسة الإصلاح والانفتاح، التي كانت بداية مرحلة جديدة في تاريخ الصين الحديث، أيضاً. وهكذا، ومع تغير المناخ الدولي والأوضاع الداخلية استعادت العلاقات بين البلدين قوتها وحيويتها، التي تجلت في السنوات اللاحقة، بعد تولي الرئيس حسني مبارك قيادة مصر وتولي الزعيم دنغ شياو بينغ مقاليد السلطة في الصين.

المرحلة الثالثة (1981ـ حتي الآن):
في عهد الرئيس حسني مبارك.. بدأ عقد الثمانينات ومصر والصين على أعتاب مرحلة جديدة، على الصعيد الداخلي، وعلى صعيد العلاقات بين البلدين. فبعد تولي الرئيس حسني مبارك قيادة مصر دخلت علاقات التعاون الودية القائمة بين مصر والصين مرحلة جديدة وشهدت هذه العلاقات تطوراً شاملاً وسلساً، فقد أكد الرئيس مبارك مرارا أنه يكن مودة خاصة للصين وأن مصر والصين يرتبطان بعلاقات ودية مميزة،، ولهذه احتلت العلاقات مع الصين مكانة مهمة في السياسة الخارجية المصرية، فشهدت العلاقات تطورًا كبيرًا وشاملاً وأصبحت نموذجاً للتعاون بين الجنوب والجنوب. وخلال حقبة الثمانينيات توالت الزيارات المتبادلة بين الطرفين التي ركزت في مجملها على سبل تعزيز العلاقات لتشمل كافة المجالات علاوة على تنسيق مواقفهما في كافة القضايا المختلفة.

كانت حقبة التسعينات من القرن العشرين فترة بالغة الأهمية في العلاقات المصرية الصينية، فقد تكثفت التبادلات على كافة المستويات، السياسية والاقتصادية والثقافية، وزادت حركة السفر والسياحة بين البلدين وصولاً إلى إقامة علاقات الشراكة الإستراتيجية، خلال الزيارة الهامة التي قام بها الرئيس مبارك للصين في الفترة من الخامس إلى التاسع من إبريل عام 1999، والتي وضعت الأسس للعلاقات المصرية الصينية في القرن الجديد، والتي شهدت إعلان بيان إقامة علاقات تعاون استراتيجي بين البلدين.

وعقب المحادثات قام الرئيس مبارك والرئيس جيانغ تسه مين بالتوقيع على "البيان المشترك بين جمهورية مصر العربية وجمهورية الصين الشعبية حول إقامة علاقات تعاون إستراتيجية" كما وقعا على اتفاق نوايا حول التعاون في مجالات مختلفة. وقد ركز البيان المشترك على الأتي:

- ضرورة بناء نظام سياسي واقتصادي دولي جديد على نحو عادل ومنطقي.
- تعزيز التضامن والتعاون بين الدول النامية وتضييق الفجوة بين الدول المتقدمة والدول النامية.
- ضرورة إصلاح مجلس الأمن لتحقيق التوازن الإقليمي مع مراعاة التمثيل العادل للدول النامية.
- أهمية تحقيق السلام الشامل العادل والدائم في منطقة الشرق الأوسط بما يتفق مع المصلحة الأساسية لشعوبها ويخدم أيضا السلام والتنمية في العالم، وأنه يجب الالتزام الكامل والتنفيذ الأمين للاتفاقيات الموقعة بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل والتي شهد عليها المجتمع الدولي بأسره.
- ضرورة العمل الدولي على سيادة مفاهيم نزع السلام وبخاصة أسلحة الدمار الشامل بحيث تشمل شتى مناطق العالم دون استثناء أية دولة أو أية منطقة.
- إدانة الإرهاب بشتى أشكاله والتعاون في مجال مكافحة الأعمال الإرهابية الدولية.
وقد وضعت الزيارات واللقاءات المتتالية، إضافة إلى زيادة حجم التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة والتنسيق في المحافل الدولية، أسساً متينة لعلاقات البلدين في القرن الحادي والعشرين في ظل التغيرات التي شهدتها الساحة الدولية، وأثبت أن العلاقات المصرية الصينية قادرة على مواكبة تطورات العصر ومواجهة تحدياته واغتنام الفرص الجديدة السانحة.
بحلول القرن الحادي والعشرين دخلت العلاقات المصرية الصينية مرحلة جديدة قائمة على التعاون والشراكة الإستراتيجية بين البلدين. فما حدث عام 1999، من توقيع لاتفاق التعاون الاستراتيجي بين البلدين هو علامة فارقة في علاقات البلدين التي اتخذت أبعاداً جديدة، سياسية واقتصادية وبرلمانية وثقافية وسياحية وشعبية وحزبية، فقد بات التفاهم والتنسيق السياسي بينهما شاملاً، وتجسد ذلك في اللقاءات والزيارات المتعددة لكبار المسئولين، إضافة إلى اللقاء السنوي الدوري لوزيري خارجية البلدين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي المحافل الدولية الأخرى، وخرجت العلاقات الاقتصادية عن إطارها التقليدي المتمثل في تجارة الصادرات والواردات إلى الاستثمارات المتبادلة والمشروعات المشتركة، ومنها التعاون في المنطقة الاقتصادية غرب خليج السويس وإقامة شركات مصرية لفروع لها في الصين، ومنها شركة النساجون الشرقيون، وإقامة شركات صينية فروع ومراكز لها في مصر، وتنوعت أشكال التبادل والتعاون الثقافي والتعليمي فلم يعد مقتصراً على تبادل الوفود الفنية والطلاب المبعوثين.

          لاعلى                           العلاقات المصرية الصينية